
التميز المؤسسي
وقديماً… تميز الصانع في مجاله حتى بلغ منزلةً جعلته شيخ مهنته وكبيرها. وبخبرته وضع القواعد التي يمكن من خلالها تمييز المنتج ووصفه بالجودة.
ميز الله الكريم رمضان على شهور السنة، وليلة القدر على ألف شهر… وذلك لما فيهما من فضل على باقي الأزمنة.
وميز الله الكريم الرسل على الأنبياء، والأنبياء على البشر، ومحمد عليه الصلاة والسلام على كل من خُلق من بني آدم… وذلك لما له من فضل عليهم.
وهكذا المنهج الرباني الذي سعى إليه الإنسان بوصفه خليفة الله في الأرض.
وقديماً… تميز الصانع في مجاله حتى بلغ منزلةً جعلته شيخ مهنته وكبيرها. وبخبرته وضع القواعد التي يمكن من خلالها تمييز المنتج ووصفه بالجودة.
وحديثاً تجمع الناس في مؤسسات وأجهزة أصبحت في مجملها تسعى نحو التميز المؤسسي الشامل الذي يُنسب إلى أصل واحد، بينما تصل مزاياه إلى جميع مكوناته، من أصغر مشارك إلى القائمين على رأس العمل.
والتميز في أبسط صوره هو الإنجاز الإضافي الذي يمكن تحقيقه بحيث تتفوق به على الآخرين في المجال والتخصص ذاتهما.
وعادة ما تأتي الجودة إلى المشهد كطفلة صغيرة تتعلق بيد التميز المؤسسي في كل حين، ولكن تلك الطفلة الصغيرة المدللة تحتاج إلى خطوات رئيسية للعناية بها، واشتراطات ومتطلبات لا يمكن أن تغفل عنها، ومجرد إغفال أحد اشتراطات الجودة قد يقتلها وينهي حياتها بالكامل.
أما التميز فهو معايير لا يمكن وصفها بالصواب والخطأ، وإنما يمكن وصفها بالبسيط أو الجيد أو المتميز.
ولبيان الفرق بينهما… تخيل أنك تكتب طلباً لمديرك للموافقة على منحك إجازة سنوية. وعليه يكون ألّا تزيد أيام إجازتك على الرصيد المتاح هو اشتراط الجودة الذي لا بد منه، ويكون توقيت اختيار الإجازة هو التميز الذي تسعى له. فتكون أيام انخفاض وتيرة الأعمال وعدم وجود متأخرات هي شكل التميز العالي الذي يصف الإجازة، وعلى النقيض تكون قد أهملت معايير التميز في حال كان طلبك للإجازة في أيام المواسم والأعياد، على الرغم من تحقيق الجودة المتمثلة في الرصيد المتاح.
والتميز المؤسسي عملية دائمة ومستمرة، ولكنها قد تكون عارضة أو مجرد ظاهرة مؤقتة ثم تخبو بعد ذلك. والسبب الرئيسي هنا قد أوجزه الخبراء في غياب الرؤية والقيادة الفعالة، فيمكن لبعض المؤسسات من خلال بعض الإجراءات المتسرعة الطارئة أن تضغط على المجتمع الداخلي للعمل لزيادة الإجراءات ورفع كفاءة الإنجاز وفرض معايير إضافية. ولكن أغلب الظن أن تكون هذه التعليمات والقرارات انفعالية، من بعد اجتماعات نظرية للقيادات العليا في هذه المؤسسات، دون انتظار دراستها وتطبيقها للتجربة على أرض الواقع، مما يجعلها مستحيلة التنفيذ بشكل مستمر.
وهو ما يصفه الخبراء بالقاتل الأول والمدمر الرئيسي لجميع عمليات الإبداع في التميز المؤسسي، وهو التباين والاختلاف والتذبذب في مستوى الأداء. وعلى مستوى القيادات المتوسطة وعناصر التنفيذ نجده يتمثل في حالة فقدان الشغف بالاستمرار في التميز أو السعي للوصول إلى مستويات أعلى من السابقة، وسبب الخطورة هنا يكمن في صعوبة إعادة تحفيز العناصر لتوجيه الأداء إلى الاتجاه المتصاعد من جديد.
وهنا يبرز دور القيادات العليا للمؤسسة في رسم السياسات والأهداف التي تعتبر أي إنجاز تحققه المؤسسة قاعدةَ البداية للهدف التالي، من قائمة أهداف محددة ومدروسة ومتتالية وواقعية، بشكل يجعلها أقرب للإيمان بها والسعي إليها من جميع أطراف العمل المؤسسي.
ويأتي من بعدها دور القيادات المتوسطة لإدارة هذه التوجهات من خلال ما يسمى بالإدارة الأبوية الرشيدة، التي أثبتت قدرتها على تحقيق ما يفشل فيه الضغط والإكراه والإجبار، بحيث ينعكس الأداء سلباً بالكامل وفي الاتجاه المعاكس بمجرد غياب الرقابة والمتابعة.