العودة إلى الرئيسيةسر النجاح
مهارات

سر النجاح

ولنا أن نعلم أن كل تصرف يتجه إليه الإنسان يكون لسبب واحد لا ثانيَ له، وهو “الوصول أو الهرب” من إحساس أو شعور معين.

·7 مشاهدة

يوم جديد وبداية طيبة…

تلك هي أمنيات كلٍّ منا، والتي تطفو على سطح تفكيره عند الاستيقاظ من النوم.

وبعدها تبدأ الصراعات… العقل ضد العاطفة.

هذه القوى هي المحرك الرئيسي للأحداث داخل الدماغ البشري.

ولنا أن نعلم أن كل تصرف يتجه إليه الإنسان يكون لسبب واحد لا ثانيَ له، وهو “الوصول أو الهرب” من إحساس أو شعور معين.

نحن نأكل لنشعر بالشبع، نعمل لجني الأموال التي تشعرنا بالسعادة والأمان، نصلي لنبتعد عن الشعور بالذنب، نلبس لقتل الشعور بالبرد.

حتى إنك ستتوقف عن القراءة الآن لقتل شعورك بالملل، أو ستكمل القراءة بشغف للوصول إلى لذة المعرفة.

كل الطرق تؤدي إلى “شعور” مطلوب الوصول إليه أو البعد عنه والوصول لعكسه، وللعجب أنك بمجرد أن تتخلص من شعورك أو رغبتك في الوصول إلى إحساس ما، تكون بذلك قد كتبت أول سطر من أسباب رحيلك عن الحياة، وهو ما يسمى فقدان الشغف.

وهنا نرى أن المحرك الرئيسي للأحداث هو “العاطفة”، والوسيلة التي تقودنا إلى تحقيق هذه العواطف هي “العقل”، وهو وسيلة مادية تراعي إمكانيات الجسد المحدودة والرغبة في الراحة والهدوء. أما العاطفة فهي شعور سحري داخلي يحاول إقناع العقل بإعطاء الأوامر للقيام بعمل معين، بالرغم من مشقته أو خطورته على الجسد.

وهكذا نحن أمام صراع يبدأ منذ اللحظات الأولى للاستيقاظ من النوم (العقل ضد العاطفة)، وهذا يفسر ببساطة كيفية وصول “أهل الفن” إلى نجاحات عالية وشهرة مدوية بخلاف “أهل العلم”.

فنحن ما زلنا في خضم الصراع القوي بين العقل والعاطفة، حيث يمكن لفيلم بسيط مدته ساعتان لبطلك المفضل أن يبثّ شعوراً داخلياً لذيذاً بالنجاح والنشوة وتحقيق الثروات والقدرة على مهاجمة الأشرار ومعانقة الجميلات والنهايات السعيدة، ليجعلك الفيلم تدخل في حالة نفسية “بسيطة” من التخدير والنشوة تبهج يومك لدقائق معدودة في السينما، حتى تفاجأ بصعوبة الواقع عند سدادك لتكلفة المواقف ودفع قيمة البترول للسيارة أثناء عودتك، مع آلام الظهر من كراسي السينما التي اضطررت للجلوس عليها ساعتين كاملتين.

ولكن لنعود لك عزيزي القارئ “المُتعَب”، فما زلت على فراش نومك تصارع رغبات العقل في الراحة تلبية لنداء الجسد من السهر وقلة النوم، بينما العاطفة تشكل جدار حماية في هذا الصراع بإثراء الشعور بلذة النشاط والتحرك من أجل تحقيق الأهداف المرجوة، أو بمحاولة إبعاد الشعور بالفشل والازدراء وخصم اليوم واحتسابه من ضمن الإجازة السنوية في حال تخلفت عن تحقيق “البصمة” قبل الساعة 7:45. تصارع أنت من أجل اتخاذ القرار، وبجوارك زوجتك التي لا تعلم عن صراعاتك شيئاً إذا كانت ربة أسرة، أو ربما سبقتك لتجهيز فطورك إذا انتصرت عندها العاطفة على العقل.

تلك العاطفة التي أدت بك أصلاً إلى أن تتزوج منها، فعادةُ الإنسان إذا أحب أحداً أن تسيطر عاطفته على عقله فتجعل العقل انتقائياً، يرى المساوئ فلا يذكرها، ويركز على المميزات فقط، وذلك بعد طغيان المشاعر والعواطف على العقل. وهذه الحالة لم تأتِ من فراغ، وإنما سبقها صراع بين العقل والعاطفة، انتصرت فيه العاطفة انتصاراً بيّناً، وأمرت بعده العقل أن يتغاضى عن كل العيوب الموجودة في الحبيب ولا يقيم لها وزناً، مع التركيز التام على المميزات ورسم الطريق الوردي للمستقبل بعيداً عن مصاعب الحياة.

كيفية إدارة الصراع بين عقلك وعواطفك لتحقيق المكاسب

بعد أن استفضنا في شرح مجريات الأمور والصراعات المتأججة بين عقلك وعواطفك، نكون قد وقفنا على خطورة الوضع القائم، وتوصلنا إلى أنه من الأهمية بمكان أن ندير هذا الصراع لتحقيق المكاسب التي يأملها ويرجوها كل عاقل رشيد.

في البداية عليك أن تتخذ القرار وتستيقظ للذهاب إلى عملك، فلن تحقق ذاتك وتصل إلى أي مكان وأنت بالفراش. أولاً: عليك أن تبدأ.

ثانياً: عليك أن تدير هذا الصراع الخاص بين عقلك ومشاعرك في قضايا لن يعلم عنها أحدٌ سواك — فأنت وكما يقولون “الخصم والحكم”.

وإدارة هذا الصراع تندرج تحت بند إدارة المناقشات، التي يمكن حتى أن تتخذها وسيلة لإقناع زوجتك بالتوقف عن إزعاجك، أو بإقناع أبنائك بالانتباه إلى مستقبلهم ودروسهم.

وهناك مجالات محددة للنقاش والإقناع، من خلالها تستطيع العاطفة إقناع العقل بأن يقوم بما ينبغي لإصدار الأوامر للجسد بالعمل، وعليك أن تجيد هذه المجالات، وكلما عرفت عنها وحصرتها وصلت للغرض من قراءة هذا المقال للوقوف على أسهل الطرق لتحقيق أهدافك.

وإليك بعض الأسلحة والأدلة والطرق التي يمكنك بها أن تقنع عقلك لتنفيذ ما تريد. أولاً: الإقناع بناءً على القيم والأصول

وهو مدخل قديم ومضمون ومقنع ولا جدال فيه، فلا اختلاف حول أن الزي المحتشم هو مدعاة للاحترام، وأن الصلاة هي الطريق للجنة، وفي بر الوالدين خير الدنيا والآخرة. كلها قيم وأصول وثوابت من السهل أن تتخذها العاطفة كمدخل سهل وبسيط للعقل حين تختار ملابسك، وللحث على الاستيقاظ فجراً للصلاة وسؤال رب العالمين من كرمه وخيراته، وتحصيل رضا أمك وتقبيل رأس أبيك إعزازاً وتقديراً لهما.

ثانياً: الإقناع بناءً على الوصف والمقارنة

تندرج الأوصاف والمقارنات الوصفية تحت بند الحقائق التي يقبلها العقل بناءً على صور فعلية ومعلومات مؤكدة تحصلت عليها من ممارسات مختلفة وتعرضت لها بأشكال متعددة في حياتك. فيكفي استدعاء صورة لابن عمك الذي ابتلاه الله بإدمان المخدرات لمنعك من تجربة المخدرات طيلة حياتك، كما أن سيارة ابن خالتك الذي يعمل بقطاع النفط هي دافع لا يقبل النقاش لحثك على الدراسة بجد وحماس للوصول للمستوى العلمي الذي يكفل لك إكمال دراستك بالكلية نفسها التي درس بها ابن خالتك، وربما للمحاولة بالالتحاق بالعمل بالشركة نفسها التي يعمل بها أيضاً. وإن كان عقلك قد اقتنع إلى درجة الوقوف عن التفكير فربما تشتري السيارة نفسها والنعال، إلى أن تفيق على تعليقات الآخرين التي حتماً ستوقفك عن هذا التقليد الأعمى.

ثالثاً: الإقناع بناءً على الأرقام والبيانات والإحصائيات

وهو أسلوب علمي مميز، وحريٌ بالإنسان المتعلم في القرن الواحد والعشرين وفي خضم هذه التكنولوجيا أن يجعله أداة قوية وفعالة لعواطفه لإقناع العقل بانتهاج طريق تحقيق الأهداف بسهولة ويُسر. فأنت عندما ترى أن (جيف بيزوس) يتربع على قائمة أغنى أغنياء العالم بثروة تقدر بـ116 مليار دولار (عند تحرير هذا المقال) من أرباح رئيسية لشركة أمازون، وإحصائيات حقيقية تتنبأ باندثار متاجر التجزئة والتحول الكامل إلى البيع الإلكتروني، فمن المؤكد أن عاطفتك ستمنع عقلك من المُضي قدماً في الاستدانة من البنوك لافتتاح سلسلة متاجر “النجمة الشقية” لبيع الألعاب والتسلية، والاتجاه بدلاً من ذلك إلى اقتحام أسواق الصناعة التي سوف تزدهر مع كثرة المتاجر على مواقع الإنترنت.

رابعاً: الإقناع بناءً على الضرر والمنفعة الحسية

وقد تكون هذه أصدق وأقرب طرق الإقناع على الإطلاق. فبينما أنت تصارع الكسل وتحارب الخمول وتركن إلى الراحة أثناء خلودك إلى النوم العميق، بعدما علا صوت تنبيه هاتفك المحمول مرة بعد مرة يحثك على القيام، بينما أنت في هذا الثبات العميق الذي يحسدك عليه كل المصابين بداء “النوم الخفيف” حيث أن قفل باب الغرفة أو فتحه كفيل بإيقاظهم من أعماق النوم — وأنت مع هذا الخمول فيكفي اهتزاز بسيط مع صرخة زوجتك أن هناك زلزالاً، لتنطلق سريعاً في خفة الفهد وقوة الجاموس الوحشي متخطياً الحواجز ومندفعاً بأقصى قوة للنجاة بعمرك وحياتك من تبعات هذا المدمر الفظيع.

خامساً: الحجج القائمة على التجارب والخبرات السابقة

أو كما قال المثل البسيط “اللي يتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي”. وبالرغم من عدم الواقعية والازدواجية في المعايير التي يعاني منها قائل المثل، إلا أنه يطبق مبدأ الاعتماد على الخبرات السابقة في التعامل مع المستجدات، بالرغم من أنه سيكون أكثر منطقية لو أنه نفخ في الشوربة الساخنة نفسها إن رآها مرة أخرى بناءً على سابق إصابته باللسع منها — ولكنه عزيزي القارئ أراد أن يكون أكثر حرصاً وتخوفاً من أي سوائل تقترب من الفم حتى لو كانت باردة بالعادة.

ونحن هنا نوضح أن مرورك بتجربة مؤلمة سيشكل حجة قوية أمام العاطفة لإقناع العقل باتخاذ قرار قد لا يناسب هوى العقل ورغبته في المخاطرة والركون إلى الراحة واتباع الهوى. ونحن نلجأ لهذه الحجج حتى لإقناع أبنائنا وفلذات أكبادنا بالهدوء والسكوت وعدم مواصلة الصراخ، بأن “تُهدي” ابنك صفعة قوية وبمنتهى الحنية الأبوية تترك علامات حمراء على وجه الصبي وآلاماً مبرحة كفيلة بأن تقنعه في هذه المرة والمرات القادمة بأن يسأل أمه عن تواجدك بالبيت قبل أن يبدأ وصلة الصراخ المعتادة للحصول على مبتغاه من الحلوى والآيس كريم. فإذا لم تكن موجوداً يبدأ الصبي بالصراخ اعتماداً على طيبة الأم وحنية قلبها، وإذا كنت بالغرفة فلا بأس من الانتظار حتى خروجك العصر لمزاولة الضغط على الأم البائسة بالصراخ والعويل والبكاء لحين إحضار ما يريده الصبي.

سادساً: الخيال والخوف من المجهول

يا أبي لا تسرع… أمي ستتزوج غيرك.

كانت هذه الجملة هي ما تحمله إحدى لافتات التحذير من السرعة في إحدى المدن. وهنا نجد أن الشخص المكلف بمهمة الحفاظ على أرواح المواطنين في هذه البلدة قد استخدم دافع الخوف لإثارة خيال قائد المركبة، ورسم سيناريو بسيط يعتلي فيه السائق صندوقاً خشبياً ويلتف حوله الأقارب والأصدقاء في رحلة وداعه الأخيرة إلى رحاب المقبرة، بينما السيدة “الفاضلة” زوجته تتفرس في وجوه المشيعين باحثة عن ضحية جديدة.

وهذه الطريقة مهمة للغاية، فأنت لا تستطيع خوض كل التجارب التي توجد بالحياة لإقناع عقلك بجدواها، وهناك العديد من التجارب التي ستخوضها لأول مرة وآخرها في الوقت ذاته، مثل القفز من قمة برج خليفة أو الحديث مع زوجتك وهي غاضبة. وهنا يجب على العاطفة أن “تُعمِل الخيال” وترسم السيناريوهات أمام العقل لحثه على الامتناع عن حماقة أو على الإقدام على مخاطرة بسيطة لتنال النجاح، عملاً بالمثل القائل (يفوز باللذات كل مخاطرٍ ويموت بالحسرات كل جبان).

سابعاً: عقد المقارنات

قد تجد نفسك في بعض الأحيان أمام خيارات وعليك أن تختار أحدها لتكمل طريقك، ومن الطبيعي أن عقلك الداخلي سيميل من فوره لاختيار الأبسط والأسهل لراحته وسروره، مثل الخائف الذي يجد لمشكلته ألف حل ولكنه لا يختار من بينها سوى الهروب. ولكن في الأخير فإن من طبيعة العقل البشري أنه إذا عُرضت عليه اختيارات متعددة حصرها أولاً في قائمة مختصرة، أو ما يسميه الإنجليز “short list”.

وعند الوصول إلى هذه “القائمة المختصرة” يمكنك أن تنتهز الفرصة لعقد المقارنات البسيطة بين هذه الاختيارات لبيان إمكانية اختيار الأحسن حتى ولو بفروق بسيطة، أو اختيار الأقل ضرراً من بين أسوأ الاحتمالات القائمة. وهي طريقة منطقية بسيطة توضح الفكرة بناءً على وضعها بجانب أفكار أخرى حتى تظهر الفروق البسيطة بينها.

ثامناً: اسأل نفسك

النفس البشرية غامضة جداً في كل الأحيان، وقد لا يستطيع بشر أن يسبر غور نفسك من الداخل، وحتى أنت نفسك في أغلب الأحيان قد لا تعلم ماذا تريد وأين تكمن مشكلتك وعلى أي طريقة يمكن حلها. ولذلك ابدأ بطرح الأسئلة على نفسك وتحاور معها بالمنطق، واجعل أجوبتك على نفسك صادقة وأمينة، وكفى بنفسك اليوم عليك حسيباً.

فمثلاً إذا أنت فكرت في الدخول في مشروع صغير وأقنعت من حولك أنك واثق من النجاح وأن هذا المشروع هو حلم حياتك منذ الصغر، الآن ابدأ بالإجابة عن بعض الأسئلة البسيطة: هل تملك الخبرة لإدارة هذا المشروع؟ وهل فكرت في الأرباح والمميزات فقط وتغافلت عن مشقة الإدارة وصعوبة السيطرة على الموظفين وتجنب الخداع والاختلاس والعجز في الإيرادات؟ هل تملك من الأموال الإضافية ما يمكنك أن تقيل مشروعك من عثرته إذا ما تأزمت الأمور، أم أنك ستغلق أبوابه بمجرد انتهاء رأس مالك وحلول موعد القسط الثاني لإيجار المحل؟

وهكذا خطوة بخطوة ستكتشف أنك تريد المميزات ولم تضع حساباً للمصاعب، وبمجرد صفاء ذهنك ووقفتك الصادقة مع نفسك تمكنت من أن تعي المخاطر وأن تعيد حساباتك، ولا بأس من التأجيل بعض الوقت أو البحث عن شريك صاحب خبرة يمكنه إدارة الأمور ومساعدتك.

هل أنت شقي أم سعيد؟

أخيراً يا عزيزي، وقد تفهمت بعض النصائح التي يمكن من خلالها تحقيق النجاح والوصول إلى أهدافك، إليك هذه النصيحة التي قد تأتي بثمارها إذا استطعت محاورة نفسك وترويضها كما ذكرنا سابقاً.

إذا تلاقت عواطفك مع عقلك على نسق واحد فأنت حقاً إنسان سعيد وناجح بالفطرة، ويكفي أن الصراع الذي تحدثنا عنه بين العقل والعاطفة سيصبح لا وجود له، وسيكون القرار متوافقاً دائماً بين الاثنين. وبالعكس، كلما زاد الصراع واختلفت الاتجاهات بين ما تريد وما تستطيع زادت الهوة وظهرت مظاهر الشقاء.

وهنا تأتي النصيحة بأن تتلاءم أهدافك وأحلامك مع إمكانياتك، فصحيح أن محمد صلاح لاعب ناجح ومشهور ومحترف يسعد الجميع بلمساته السحرية، ولكنك ستواجه بعض الصعوبات إذا أردت أن تكون مثله، خصوصاً إن كان وزنك يتخطى المائة كيلو جرام. وعليه يمكن لأهدافك أن تتحقق في اتجاه آخر: عالم رياضيات مثلاً، أو مفكر وفيلسوف، أو حتى مبرمج للكمبيوتر، وكلها أهداف لن تحتاج في تحقيقها للقيام من مقعدك كثيراً إلا لإحضار الشاي والقهوة والفطائر المحلاة بالعسل والسكر.

وطابت أوقاتكم بالنجاح والطمأنينة.

العودة إلى الرئيسية

كتب: محمد خلاف

المصدر: اريكة