
سكة السلامة
وأنا أعشق الإمارات، وصحيح أن مصر هي مسقط رأسي، ولكن الإمارات هي مسقط قلبي وروحي
أقود سيارتي صباحاً، أسعى وراء مصلحة حكومية لإنهاء بعض الأوراق، أو أتجه إلى الجريدة للتواصل مع رؤسائي لتلقي التوجيهات ومعرفة المستحدثات التي ستقودنا في الفترة القادمة.
أركب السيارة وأنا منتبه كأب يحمل ابنه الرضيع فوق برج خليفة ويخاف عليه من السقوط، متوتر وكأنني طالب ثانوية عامة يراجع إجاباته في الامتحان ليضمن حصوله على الدرجات النهائية.
أراقب عداد السرعة في السيارة، وأراقب لوحات السرعة على يمين الطريق ويساره، أعقد مقارنات سريعة بين سرعتي التي أقود بها وبين تلك المدونة على جانبي الطريق، أضيف لها هامش السرعة وأحسب الفرق وأدعو الله ألا أكون مخطئاً في تقدير هامش السرعة، فقد قرأت عنه كثيراً وبحثت على صفحات الإنترنت للتأكد من أنه ثابت ولا يتغير بتغير الطريق والإمارة.
أمر على كل أجهزة الرادارات وأنا أراقب سكونها العجيب، وهل ستومض أمام عيني أم ستأتي الطعنة من الخلف، وأحافظ على مساري المستقيم في الوقت نفسه، أحاول ألا أقترب من الحارة اليسرى الأخيرة، فما إن أحاول استخدامها للتجاوز حتى أجد واحدة من تلك السيارات الكبيرة تلتصق بمؤخرة الكورولا التي أستقلها.
أشعر كأنني طيار مقاتلة في معركة عالية الوطيس، أنظر للسماء بحثاً عن الهليكوبتر التي تراقب الطرقات وتحسب عليك أنفاسك، أتأكد في الوقت نفسه من استخدامي لحزام الأمان ومن قوة ربطه.
أحاول بكل تركيز تتبع توجيهات العم جوجل بالاتجاه يميناً وغرباً، صعوداً وهبوطاً، مع مراعاة الفروق الطفيفة بين “انعطف” و“اتجه”، والفرق بين الطريق المستقيمة والطريق المنحدرة، أحاول أن أتبع توجيهات “الجي بي إس” وأقارنها في الوقت نفسه مع لوحات الشوارع فهي أصدق بالتأكيد، كما أن سرعة إنجاز الطرق في الإمارات الحبيبة أسرع من أن تلاحقها التكنولوجيا بالتحديث والتطبيق.
وأنا أعشق الإمارات، وصحيح أن مصر هي مسقط رأسي، ولكن الإمارات هي مسقط قلبي وروحي وعمري الذي قضيته “أربع” في شوارعها و“أحوط” بين إماراتها السبعة.
يخفق قلبي بشدة، ولكن ليس من الحب هذه المرة، وإنما خوفاً من هذا الوميض الأخضر المتقطع القادم من إشارة المرور، الذي ينقلني إلى مرحلة معقدة ومحيرة من حياتي، أجلس فيها خائفاً ومتردداً قبل كل قرار أتخذه: هل أنطلق للأمام وأزيد من سرعة السيارة فأمرّ مرور الآمنين وهي لا تزال خضراء؟ أم عليّ أن أوثر السلامة فأتوقف بالسيارة وأنتظر حظاً سعيداً في المرة القادمة إن شاء الله؟
وإذا توقفت فالأمر ليس بالبسيط، فهناك مخلوقات خلفك ترى الإشارة صفراء فتنطلق بأقصى سرعة لتعبر، وأتوقف أنا أمامها فيكون اللقاء. وهكذا تزيد من أعبائي، ككابتن طيار، مراقبةُ المرآة والطريق ورائي، وهنا أشعر أن قيادة الطيارة أسهل والله، وهمّها “كام عداد وشكراً”، ولا فيه رادار ولا إشارات.
وهكذا أعزائي أشعر بالتوتر، فالسيارة التي أركبها هي مكرمة من صديقي العزيز “أبو منصور”، وبرغم كرمه الحاتمي فإن العرض لا يشمل البترول والمخالفات، وقيمة أقل مخالفة في إماراتي الحبيبة كفيلة بتغطية رحلة لشخصين إلى شرم الشيخ ثلاثة أيام وأربع ليالٍ مع الإفطار، وفي بعض الحالات قد تصل قيمة المخالفة إلى ثمن إحدى هذه السيارات العتيقة في بلدي الحبيبة “مصر”.
وأتذكر مرة كنت على خلاف مع أحد أصدقائي، الذي يمارس هواية السخرية من ألوان ملابسي في كل مناسبة يراني فيها ولا أجد أنا أي مناسبة للرد، حيث إنه لا يرتدي إلا اللون الأبيض بالطبع، وكأنه ملاك يمشي على الأرض. وفكرت مرة أن أستعير منه سيارة وأمشي على سرعة 150 كم من رأس الخيمة إلى أبوظبي، وبحسبة بسيطة سيكون مضطراً لدفع أضعاف قيمة السيارة لسداد المخالفات، ولكني تراجعت في اللحظة الأخيرة، ليس خوفاً منه، وإنما بصراحة لخوفي الشديد منه.
يدور في ذهني وأنا أستقل السيارات في شوارع أبوظبي كمية الراحة النفسية التي أشعر بها في القاهرة، فالأمور طيبة، ويكفي رفع يدك بالسلام على قائد السيارة بجوارك وبعدها “إنت والخير رباعة”، مسموح تطوف منه أو تلف عليه أو حتى تدعمه دعمة بسيطة، ولو سيارته قديمة لن يتوقف حتى ليرى ما حدث.
ولكن للحق، فنحن في القاهرة نشتاق للنظام ونتمناه، ونرى في الإمارات النموذج في التقدم والازدهار والنظافة والالتزام بالقوانين. فيا رب يسلّم الإمارات من كل شر، وأتمنى لكم “سكة السلامة”.
كتب: محمد خلاف
المصدر: اريكة