العودة إلى الرئيسيةسياسة عم حسين
قصص

سياسة عم حسين

خمسة شاي بسرعة يا قفل

·2 مشاهدة

في قديم الزمن وسالف العصر والأوان، وفي ورشة بسيطة لصناعة لوحات القماش المطرزة، كانت أولى محاولاتي لدخول عالم الرجال والالتحاق بوظيفة تدرّ عليّ عائداً يومياً لمواجهة أعباء الحياة الضرورية: من شراء أكياس “البوزو” الشهية، إلى تأمين مصروفات ركوب المراجيح في الشارع، مروراً بفتح اعتمادات كافية لإيجار ساعة أو أكثر لمركبة ذات “عجلتين وبدال” من “عطوة العجلاتي” الذي يحتل مدخل شارعنا لممارسة نشاطه الميمون في بيع وإيجار واستبدال “البيسكلتات”.

وكان عالم الأعمال الخاص بي غريباً بعض الشيء، فقد كنت أرتاد بانتظام مدرسة ضخمة من كبار مؤسسات “بولاق الدكرور” التعليمية، وحاول أبي وأمي أن يؤكدا ضرورة الأخلاق الحميدة للإنسان في بداية حياته وحتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

ولذلك هالني ما رأيته منذ اللحظة الأولى في ورشة الحاج صالح للأعمال القماشية الزخرفية، فلا توجد أسماء معروفة يمكن أن ننادي بها بعضنا بعضاً، ولكنها مجرد أسماء لحيوانات ينادونك بها منفردة أو مسبوقة بلفظ “يا ابن”، وذلك في حالة سرعة الطالب واستعجاله ورغبة منه في أن تأتيه مهرولاً، خوفاً من أن يتبعها بكف أو بلمسة بسيطة من قدمه على مؤخرة ظهرك، وباحترافية شديدة لكي لا تنكفئ على وجهك فتتسبب في سقوط العدة على الأرض — لا قدر الله — ومن يعلم، قد يحدث مكروه وتصاب لتسيل الدماء على الأرض.

وهو ما كان يمقته الحاج صالح إلى أبعد مدى، فهو حريص على نظافة أرضية الورشة، حتى إذا ما طاح طعامه أرضاً وهو يتناول إفطاره كما تتناوله أنثى فرس النهر أول النهار، فإنه يسارع بالتقاطه من الأرض مطمئناً على نظافتها من كل مكروه.

وشيئاً فشيئاً أحببت عملي، فقد سرد لي زملائي مميزات العمل كلها في أول يوم، وتركوني بعد ذلك أكتشف المساوئ بلا توقف في كل يوم وكأنها لا تنتهي.

وشعرت وقتها أنني عندما أترك العمل في نهاية الإجازة الصيفية سوف يستخرجون لي صحيفة جنائية مزينة بصورتين لي، واحدة بالوجه والثانية توضح المسقط الجانبي لمحيط رأسي، وذلك من هول ما رأيته وتعلمته من كذب وتدليس وغش وسرقة، تندرج كلها تحت بند الفهلوة والنصاحة اللتين تدار بهما الأمور على الصعيد الشعبي البسيط الذي عانى في ظل التهميش وعدم التقدير، ومساواة الاجتهاد بالسرقة، والغش بالشطارة، والسرقة بالنصاحة، إلى آخر مخلفات عصر الانفتاح والانبطاح الماضي.

ولكن ما هالني حقاً هو “عم حسين”. فقد كانت كل عمليات الغش والتدليس التي أراها ويمارسها “الحاج صالح” في مؤسسته القومية البسيطة كثيراً ما تواجه بالشدة والعنف من قبل الزبائن والتجار الذين يتعاملون معنا، لينتهي الأمر بترك آثار بسيطة على وجه صالح شخصياً، أو باستدعائه من قِبل مركز الشرطة القريب ليظل يبكي ويصيح مُدعياً الظلم وقلة الحيلة حتى يتركوه لحال سبيله، خوفاً من عقاب الله للمفتري والظالم وابن الحرام.

وعم حسين كان يمتلك هو الآخر مؤسسة اقتصادية لا تقل أهمية عن أي محل آخر في شارعنا الصغير، فقد كان حسين هو المسئول وحصرياً عن الإمدادات اللوجستية من الشاي، والشاي بحليب، والحلبة حصى، و“الينسون”. وشتاءً كانوا يقولون إنه يصنع “حمص الشام” أيضاً ليطوف به على المحلات إلى جوار منتجاته المعتادة من المشروبات الساخنة.

وقد حدثوني كثيراً عن هذا “حمص الشام” حتى تاقت نفسي إلى رؤيته والتمتع بطعمه ومذاقاته المختلفة، حيث أخبرني الزملاء أثناء لضمنا الخيوط في الإبر التي يستخدمها “الصنايعية” في الورشة، أنه يأتي أحياناً بالليمون وأحياناً أخرى بالشطة، وأنه يمكنك — لو كنت مميزاً عند العم حسين ولم يسبق لك سرقة “كوباية” من القهوة أو التسبب بكسرها — أن تخبره حينئذٍ أن يختصك بوضع قليل من الكمون في الحمص ليصبح “جامد جداً”.

والعهدة هنا على “سامح بليلة”، الذي خاض هذه التجربة شخصياً، إضافة إلى شغف سامح بجميع أنواع الأطعمة، حتى أنه تناول في يوم واحد عشرة أطباق من البليلة سمحت له بعد ذلك أن يتمتع بهذا المسمى حتى وقتنا هذا، مفاخراً بقدرته يومها على تناول كل هذا العدد من الأطباق في ليلة واحدة، ونافياً الإشاعات المغرضة التي أطلقها رجب الذي باعه البليلة، أنها كانت ستة أطباق فقط ولكنه سدد ثمن أربعة أخرى تناولها بعض الغرباء عن المنطقة بعد أن ألقوا السلام على سامح، وهو ما اعتبره رجب معرفة وثيقة بهم توجب عليه سداد ما تناوله أصحابه قبل أن يتبخروا سريعاً من الشارع ومن المنطقة كلها.

وبالعودة إلى حسين، فهو صاحب مدرسة متميزة في الخداع والتضليل. فيأتي عم حسين في مواعيد ثابتة إلى متجرنا الصغير حتى يخيل لك أنه يدق مثل العصفور كل ساعة، ويمكنك أن تراقب أعمالك وحجم إنجازك مستعيناً بفترات حضوره. وكان الحاج صالح يتذكر ذهابه إلى الدورة وإفطاره وغدائه وتناول حبوب دوائه كلما رأى حسين قادماً إليه.

وهو ينصت إلى ما تقوله جيداً ويكرره وراءك بدون ملل، ويخرج من عندك وقد احتفظت ذاكرته بكل التفاصيل — ده عايز سكر زيادة، وده شاي تقيل، وده على مية بيضا، وده كشري. وكل منا مهما قل شأنه فهو أمام عم حسين زبون له كل الحقوق، وليس عليه من واجبات سوى أن يدلي بموافقته أمام الحاج صالح أنه سوف يعطي حسين من “قبضه” في آخر كل أسبوع قيمة ما سكبه في فمه من “مشاريب” على مدار أسبوع كامل.

وكم أعجبني عم حسين بدقته الغريبة وباستجابته السريعة وحفظ ذاكرته لكل تفاصيل الطلبات التي يلقيها عليه سريعاً كل من يراه في الشارع. صحيح أنه لا يجيد ما يفعل، ويأتي الشاي شبه الحلبة، ولا فرق بين الينسون وكوب الماء المجاور له، ولكنها إمكانيات المكان ولا حول ولا قوة. وماذا سيفعل حسين المسكين وهو يقف في مساحة لا تتجاوز المتر ويطوف الحي بأكمله مئات المرات في اليوم، تاركاً أخاه لعمل المشروبات لأنه ذو إعاقة ولا يقدر إلا على الوقوف مكانه طيلة يومه لمساعدة أخيه.

ويوماً كان العم حسين يسعى وراء زبائنه، يصغي بدقة ويسجل باحتراف كل ما طلبوه من أشكال المياه والسكر والشاي التي يطلبها كل منهم. ويرحل حسين إلى دكانه وأمشي خلفه أنا لشراء أرغفة العيش والطعمية الساخنة لرفقاء الكفاح لتناول وجبة الفطور في الورشة، لأفاجأ بحسين يدخل على أخيه قائلاً: “خمسة شاي بسرعة يا قفل”.

فقط هذا كل ما قاله، “خمسة شاي وبسرعة”، متجهماً ويعاني الأمرين من قرف الزباين الذين لا تنتهي طلباتهم. ويعود باسماً إلينا مرة أخرى قائلاً: اتفضل أنت المضبوط بتاعك، وأنت الكشري اللي عايزه، وأنت — لأ — خد الكباية دي بتاعتك، التانية بتاعة الحاج صالح، شاي تقيل زي ما هو عايز. هكذا يا أصدقائي، وهم في الأصل مجرد “خمسة شاي بسرعة يا قفل”.

وقد هالني ما رأيت وقتها، واستغربت أن الناس لم تكتشف كذب وخداع وزيف حسين — حتى أنا — فقد كنت أعول على الظروف وألتمس له الأعذار، وكان هو بالمقابل على مستوى الدقة في التعامل والابتسام والكلام المزركش المعسول الحنون الذي يتلقفه الناس بكل الاهتمام والسرور.

إلى أن كبرت، ولا أريد أن آكل “بوزو” الآن فهو يرفع الضغط، كما أنه غير موجود بالمحلات. وأملك من الأموال الكثير، ولكني لا أستطيع أن أركب مراجيح مثل زمان، فقد أسقط أو قد تسقط هي بدافع الوزن الزائد. وعم حسين مات، أو أنه طريح الفراش على أفضل الأحوال، والحاج صالح اختفى، والورشة أصبحت محلاً فخماً لبيع الأحذية.

ولكن سياسة عم حسين باقية حتى الآن، تجدها في كل مسئول حكومي جديد، يجيد حفظ مطالب الجماهير، ويجيد تكرارها على مسامعهم، ثم يعود إلى حكومته متجهماً مكفهراً ينادي بأعلى صوته: “خمسة شاي بسرعة يا قفل”.

العودة إلى الرئيسية

كتب: محمد خلاف

المصدر: اريكة