فنجان قهوة

فنجان قهوة

مقدار نصف فنجان من الماء تذاب فيه كمية البن ويكون ساخناً لنضمن الذوبان، ثم نكمل باقي الكمية من الماء البارد لكي نؤمّن للفنجان مدة نضج طويلة ونحصل على وش "مضبوط"

ونضيف ذرة ملح مع البن لربط الطعم وعقد الضمان، ونتركهم على نار هادئة في رحلة طويلة من تجانس المكونات ببطء… وتصاعد فقاقيع الهواء… بتروٍّ… وتتابع… وملل سمح للحاج أشرف السماوي أن يطلق العنان لأفكاره وهو ينظر برتابة إلى "كنكة القهوة" على موقدها الرملي.

والحاج أشرف قد بلغ من الكِبَر عتياً، ولا يصح لمن هو في عمره وهيئته أن يقف مثل موقفه في إعداد مشروب لأي شخص مهما بلغ مركزه - وكيف لا، وهو صاحب هذه القهوة الكبيرة والأدوار التي تعلوها والبنايات التي تجاورها وإلى التقاء الشارع الذي تقع فيه قهوة السماوي مع الشارع الرئيسي، كلها أملاكه.

بدأ في شرائها الواحدة تلو الأخرى، بعضهم اشتراه بالرضا والعديد بسطوة العشم وقوة الغشم في بعض الأحيان، فلم يكن أحد ليجرؤ أن يقول "لا" لأشرف السماوي كبير المنطقة وولي نعمتها، كان له أسلوب ساحر يجمع ما بين القدرة والبساطة، وكان له صوت أجش تصلح موجاته للتشويش على أجهزة الرادار.

سنوات عمره الثمانون قضاها في المكان ذاته، وبدأها من وراء أبيه الذي كان يبيع أطباق المكرونة أمام القهوة قبل إنشائها. وتكفل أبوه بتعليمه أول درس عملي في حياته عندما لفظ أنفاسه الأخيرة بين يديه، لعدم قدرته على رد الأذى عن نفسه أمام بعض الخارجين على القانون.

بالرغم من حرص أبو أشرف البالغ على "المشي جنب الحيط"، والآن ها هو الحيط نفسه ينهار فوق رأسه أخيراً.

قال الناس عن أشرف قديماً إنه مجذوب، وبعد وفاة أبيه فقد عقله، مما سمح له في البداية أن يتمتع بتغاضي الناس عن عنفه الشديد وسطوته القوية، التي أوصلته إلى أن يُسجَّل لدى رجال القانون في قائمة العناصر الخطرة فئة "أ" فرض سيطرة وجرائم نفس، وهو ما أضاف لقب "مسجل خطر" لاسم الحاج أشرف السماوي.

وقد استطاع هذا اللقب أن ينهي أي خلاف يطرأ بينه وبين الناس وحتى قبل أن يظهر على السطح، فبمجرد أن يقف من على كرسيه تنحني الرؤوس فوراً خوفاً وطمعاً في الأمان.

وبدأ أشرف في الاستيلاء على أرض القهوة فلم يكن لها صاحب، وفي البداية وضع بها بعض الكراسي وعدة القهوة، ومن بعدها تزوج من عايدة جارتهم، التي ساعدته بأموال أبيها في البناء والارتفاع بعمارة شاهقة لم تفلح جهود رجال التنظيم في منع مخالفتها للارتفاع.

وبدأت الدائرة تتسع والأموال تلقى تحت قدميه، ومن إيجارات الشقق لإيرادات القهوة وجلساته التجارية التي لا تنقطع، اتسعت رقعة الأملاك واتسعت معها سطوة الحاج أشرف السماوي، الذي ببلوغه الستين أقعدته الأمراض عن تصدر المشهد في المشاحنات التي يفرض بها سطوته على الجميع، ولم يسعفه في ذلك سوى بزوغ نجم أبنائه "سعيد وسعد وسمير"، الذين ورثوا ضخامة الجسد من أبيهم وقلة العقل من الأم.

فطوال سنوات الحاج السماوي وخلال معاركه المستمرة كان حريصاً على ألّا يَقتُل أو يُقتَل، فكلاهما يعني النهاية له بالدفن في تربة أو في سجن، ولكن هؤلاء البغال أبناءه لم يعرفوا إلا الدم حلاً لكل المشاكل، وكيف لا وهم أبناء الفتوة البلطجي صاحب الجاه والسلطان. والعجيب أن فقدهم كان بالتنكيل فيهم وبدون أدنى رحمة، فكانوا يُقتلون ككلاب الشوارع ولم تنفعهم لا أموال ولا أسلحة.

فهكذا وجد الحاج أشرف ابنه سعيد في الصباح الباكر وقد تناثرت أشلاء جمجمته أمام القهوة، ولم يُستدل على من فعلها، ولم يستطع أبو سعيد أن يحدد من يُكنّ له العداوة فهم أكثر من أن تتسع لهم الأوراق في محضر النيابة الذي قُيّد ضد مجهول.

أما سعد فقد وجدوه عائماً على صفحة النيل بعد أن انتفخ جسده وسمحت غازات التحلل بداخله برفعه هو والحجر الذي رُبطت الجثة فيه، ومرة أخرى لم تفلح جهود المباحث في معرفة الجاني أو حصر المشتبه بهم، بالرغم من قيام الحاج أشرف بسماع نصيحتهم في المرة السابقة وتركيب كاميرات في الحي كله، ولكنها لم توضح سوى خروجه بمفرده بدون أي أسباب.

أما سمير فقد خافوا عليه وأجبروه على عدم الخروج من البيت، وكانت أمه تنام تحت قدميه خوفاً عليه حتى من أقرب الناس إليه، حتى من أبيه ومن وردة أخته التي هالها ما آلت إليه حال الأسرة الكريمة. ولم يمنع هذا كله من نفاذ أقدار الله التي نادت سمير في إحدى الليالي أن يتحرر من قيوده ويقفز سابحاً في الفضاء، ليسقط سقوطاً حراً على أرضية الشارع الصلبة بعد قطع المسافة من الدور العاشر إلى الأرض في ثوانٍ معدودة كانت هي الأخيرة في حياته.

وهكذا غدا الأسد الجريح أشرف بن محمد جبريل السماوي وحيداً في هذه الدنيا، لا يمتلك من حطامها سوى وردة ومئات الملايين من الجنيهات.

تذكّر وردة وهو ينظر إلى كنكة القهوة فقد قاربت على الفوران، فأسرع بتناول فنجال فابريكة من الطقم الجديد وقام بصب نصف محتويات الكنكة بالضبط، وهو النصف الذي يحتوي على "الوش المضبوط"، ثم أعاد الكنكة مرة ثانية على الموقد لكي تستكمل نضج الباقي منها، ولكي تمتزج المكونات في إكسير عجيب يجعل من يتذوقها يقسم أنه في حياته لم يتناول مثلها ولا أقرب لها حتى.

تذكر الحاج أشرف وردة بعدما رد الكنكة على النار، وتذكر معها مشاكلها التي نغصت عليه حياته، فهي كل ما تبقى، وهي الأمل الأخير، وهي الوحيدة التي تمت له بصلة وتحيا على هذه الأرض بعقلها، بعدما أصابت أمها “الحاجة عايدة” لوثة عقلية ولم تعد حتى تتعرف على وجوههم أو أسمائهم، فهي تنادي الجميع باسم سمير ولدها الذي أفلت من بين يديها إلى رحاب الطريق من فوق سور شقتهم الفارهة بالدور العاشر في البناية التي تعلو القهوة.

ووردة فتاة جميلة استطاعت أن تنفصل بعقلها وفكرها عن مجتمعها البغيض، ساعدها في هذا اتجاهها للتعليم وإتقانها للغات وحرصها على استكمال دراستها العليا، وأصبحت بفضل جمالها الخلاب وجسدها الممشوق وتعليمها العالي وسياراتها المتعددة أيقونة ترمز للجمال والعلم في جامعتها العريقة، التي اختارتها بإجماع رؤسائها لتكون معيدة ثم أستاذة ثم رئيسة قسم بالجامعة.

كل ذلك كاد أن يرسم صورة كاملة للفتاة المثالية، خصوصاً أنها انفصلت تماماً عن مجتمع أبيها البغيض ولم تلجأ إليه إلا عندما تريد أن تستزيد من أمواله التي لا تنتهي، وكان هو يسعد بذلك أيما سعادة، حتى إنه لم ينتظرها لتطلب في أغلب الأحوال، وإنما كلما ضاقت خزانته “بالكاش” أسرع إليها ووضع بين يديها كل ما معه.

وهكذا لم ينقص الدكتورة وردة لا جاه ولا جمال ولا سلطان، ولم تنقص تلك اللوحة الجميلة سوى ذلك الفارس الذي سوف يأتي ليختطفها على جواده الأبيض. ولكنه عندما أتى لم يجرؤ أن يقترب، وأتى غيره وباء بالفشل، وغيره وغيره كثيرون، عشرات، بل مئات، ولكن أبداً لم يصلح واحد منهم ولم يناسبها، كانوا كلهم دون المستوى، وكانت وردة كالقمر في السماء يراها الناس ويعجبون، ولكن لم يجرؤ أحد على الصعود.

وعاماً بعد عام ابتعد الخُطّاب وقلت الفرص، وكبر الأب ومات الإخوة، واتجهت الأم إلى الرفيق الأعلى بعقلها تاركة جسدها على الأرض يتحرك كجثة هامدة. ولم يتبق أي أمل لصاحبنا أشرف السماوي في أن تمتد هذه العائلة قيد أنملة بعد وفاته، فهو قد قارب الثمانين وانقطع حبل النسل فيه، ووردة تخطت الأربعين ولم تتزوج حتى الآن.

ولكنها قد تشرق في كبد الشتاء، وقد يلوح الفرج من قلب الشقاء، وها هو السائل المتبقي في كنكة القهوة قد شارف على النضج، ولم يتبق إلا أن يلحق ما بداخلها بالدفعة الأولى التي وضعها منذ قليل في الفنجال، ليمتزج الخليط فواحاً برائحة البن البرازيلي مخلوطاً ببن يمني عتيق، طُحنا بعدما أدمتهما نيران فرن التحميص في وكالة البدري، صديق السماوي وشريكه في العديد من جرائمهم التي اعتدوا فيها على البشر والحجر والشجر على مدار سنوات العمر الطويل.

والبدري قد لا يعرف السماوي الآن حين يراه، فقد أذهبت أمراض الشيخوخة ما بقي له من إحساس، ولا يربط بينهما الآن سوى خلطة البن اليمني مع البرازيلي، مخلوطين مع حب الهال الباكستاني الشهير، مع القليل من حبات المستكة وجوزة الطيب وبعض المكونات الأخرى التي ربما يعاف الإنسان العاقل المميز أن يقربها.

كل هذا مدون في ورقة رديئة بحبر مهترئ، ملقاة لا قيمة لها عند من يراها، ولكنها موجودة في درج الحاج السماوي مثل سر عسكري يوازي خلطة "الكنتاكي" أو تركيبة سائل "البيبسي"، يحتفظ بها السماوي في عقله ليذهب بنفسه لطحنها عند البدري ريثما يقل الرصيد في أوعية الحفظ الزجاجية العتيقة التي تمتلئ بها نصبة الشاي في آخر القهوة من الداخل.

ومثلما يحتفظ السماوي بسر القهوة، يحتفظ أيضاً أبناء البدري بحقد دفين لا يقدرون على كتمانه أو مواراته، فأبوهم البدري كان شريكاً للسماوي في كل جرائمه تقريباً، ولكن لم يكن له حظ من الأموال، وإنما تركز الحظ عند البدري في ١٣ بطناً رزقت بهم زوجة البدري، أكثر من نصفهم من الذكور. وهؤلاء الذكور تناوبوا جميعاً في المنافسة على شرف الفوز بقلب وردة بنت السماوي، وتعاقبوا بعدها أيضاً جميعاً على نيل رفضها بشكل قاطع لا جدال فيه.

تناول الحاج أشرف فنجال "الفابريكا الشرعي" من على الرف، وحرص أن يغرغره بالماء أكثر من مرة ليتأكد من نظافته، ثم اختتم هذه الغرغرات المتتالية بأن أدماه حتى الحافة بالماء الساخن، ووضعه على صينية نحاسية مزخرفة ليخدش عذريتها التي حافظ عليها الحاج أشرف على رف بعيد وأرجى استخدامها لضيف عزيز. وليس هناك من عزيز الآن أكثر من هذا الأستاذ المنمق الجالس على كرسي جديد أمام مكتبه العتيق بالقهوة في انتظاره، بعدما لقي حفاوة وترحيباً من صاحب المكتب والعاملين بالقهوة، وبلغت هذه الحفاوة منتهاها بقيام المعلم نفسه إلى النصبة لإعداد فنجال القهوة للضيف العزيز.

"الدكتور راضي"، كما عرّفه على نفسه عند دخوله إلى القهوة والسؤال عليه، وعندما حاول الحاج السماوي إبداء المفاجأة بوصوله وسبب الزيارة، بالرغم من أنه يقبع في انتظاره من بعد صلاة الفجر وحتى وصل إليهم في تمام العاشرة صباحاً.

كان هذا الفحل الممتلئ هو آخر أمل للحاج أشرف في إخصاب ابنته والحصول على حفيد يهون عليه مرارة ترك هذه الثروات الطائلة للعدم ولبنت تقترب من العنوسة بقليل. أما الآن فالعريس موجود، ويا للعجب فوردة هي الأخرى لم تمانع، ولعلها أحست مثله بخطر الصمود في هذه الحياة بدون معين. وهذا الفحل موجود ومتزوج من أخرى منذ صغره وعنده منها أولاد، لكنه يفي بالغرض في كل الأحوال، وإن كان طامعاً في مال فأهلاً به فلدينا منه الكثير، ولو لم يمتلك شقة للزواج فسوف أخلي لهم بناية كاملة بطوابقها العشرين على أمل أن يملأها بالأحفاد، وإن كان يحبها أو يكرهها فلا بأس ولا نفع ولا ضرر، فكل ما يهمه أنها توافق عليه، أو لنقل لم تمانع.

وها هي القهوة قد نضجت، ورَدَّ المعلم أشرف "وش القهوة" إلى جسدها داخل الكنكة في حركة احترافية عجز عنها جراح محنك حين أتى له بغريمه منفصلاً بجسده عن كف يده التي بترها الحاج أشرف أثناء جلسة تصفية الحساب بينهما، بعد الاختلاف على بعض الأصفار عن يمين رقم لا يتجاوز أصابع اليد المقطوعة، ولكنها خبرة السماوي التي أعادت الوجه المحفوظ للقهوة إلى الجسد الذي اكتوى بنار الرمالة.

وأخيراً فلا بد من "غلوة" أخيرة لكي يلتحم الكسر ويتجانس الخليط، ثم نرفعهم سريعاً قبل الفوران، في دقة توقيت تستحق بمفردها "عشرة درجات" إذا جاءت لجنة التقييم الطبية التي عُرض عليها السماوي منذ عقود لقياس قواه العقلية، لتبرئته من جريمة قتل حددها وكيل النيابة بأنها ضرب أفضى إلى موت ومائة ألف جنيه. وأقرت اللجنة الطبية بعدم تناسق أفعال السماوي مع أفكاره وتبرئته من الجريمة بمائة ألف أخرى.

وأخذت الكنكة النحاسية الساخنة موضعها على الصينية النحاسية الباردة في تضاد عجيب لم يخفف من حدته سوى البخار الذي يخرج من الماء الساخن في الفنجال الذي يقابل الكنكة ويوازن ثقل الصينية، ليجعلها سهلة ومحمولة في يد صاحب الثمانين ربيعاً، الذي لم يتخيل في يوم من أيامه أنه وبعد هذا العمر سيكون هناك من يثير اهتمامه للدرجة التي يصنع له فنجال القهوة ويقدمه بنفسه، لكنها وردة الأمل الأخير.

ويأتي السماوي لراضي ليفرغ الماء الساخن الذي يحتويه الفنجال على الأرض في براعة وحنكة وسرعة وخبرة خلفتها السنون، بحيث لم تلمس "قطرة من ماء" أي أثر للضيف ولم تبقَ حتى لمعة السائل الشفاف بالفنجال، وليذهب الماء إلى الأرض سدىً محافظاً على سخونة الفنجال ومحافظاً على نظافته، تاركاً الفرصة ومفسحاً المجال لخليط القهوة السميك لينساب في درجة حرارة مقاربة له، حفاظاً على الهيبة والقوام والطعم المميز للسائل المهيب.

وأخيراً… يصب الحاج أشرف القهوة للدكتور الذي يرتشفها في هدوء وكأنه يستجمع قواه للحديث، بينما يفكر البلطجي المسجل خطر صاحب الثمانين ربيعاً فيما تبقى من عمر بائس حتى يظفر بحفيد. إنها حقاً ثوانٍ غالية يضيعها هذا "الحلوف" في ارتشاف القهوة دون أن ينطق حرفاً، بينما كان من الأولى أن يأتي والمأذون في يده ليبدآ فوراً في إتمام إجراءات الزواج والفرح والدخلة في اليوم نفسه.

ولو استطاع الحاج أشرف فعليه أن يحبسهم في غرفة ويغلق عليهم بالمفتاح حتى الانتهاء من هذه العملية البسيطة فوراً، ولكن يبدو أن القهوة قد ألجمت لسانه، إنه يشربها على مهل وكأنها آخر طلب لمحكوم عليه بالإعدام، فما إن تنتهي، حتى تنتهي حياته بعدها على الإطلاق.

وأخيراً… ينتهي الدكتور راضي من فنجال قهوته، الذي أصبح فارغاً ينافس جيوبه في متسع الفراغ، ومن داخله تمنى راضي ألّا تنتهي رشفات الفنجان من فرط حلاوتها ودقة صنعها وتمازجها الغريب. وسبحان الله في خلقه، فطوال سنوات عمره وقد قارب على إنهاء الأربعين متشبثاً بحافة الخمسين بما تبقى له من صحة، يرجو الله أن يبلغ أرذل العمر سالماً معافى من كل مرض، طوال هذه السنوات العجاف لم يجد مثل حلاوة هذا الفنجان.

وكيف لهذا الشيخ الكبير أن يعرف طلبه على نحو هذه الدقة، وكيف تثنى له أن يصل إلى هذا المذاق، وكيف بلغ به الاهتمام والتقدير أن يقوم بنفسه، وهو في ضعف سنوات عمر الدكتور، ويصنع القهوة بنفسه ويقدمها. وهل طابت الدنيا أخيراً للدكتور الذي أفنى سنين عمره خادماً لأهله ومن بعدهم أبنائه وزوجته، وهل يتثنى له الآن - وقد أذعنت شمسه للسير في أفق المغيب - أن يبتسم مردداً أغاني حسين الجسمي وهو يتراقص طرباً بعد أن وجد "الطبطبة" ؟ هل تكون وردة هي مكافأة نهاية الخدمة لراضي الذي التزم بتعاليم ربه ولم يقرب من النساء سوى أم أولاده؟ وهل يكون هذا الفنجان هو الرد على صلاة الاستخارة التي ركعها قبل قدومه إلى حماه مباشرة؟

دارت كل هذه الظنون في عقل راضي، وتلاقت أحلام الثلاثة: وردة وأبيها وخاطبها، بعدما تنحل عقدة لسانه ويتخلص من سكرة القهوة في فمه…. لينطق أخيراً، ولكن.. محذراً الحاج السماوي من بغل كبير يجري نحوه لينحر رقبته من الوريد إلى الوريد، في مشهد سيبقى في خيال كل من رآه لسنوات عديدة، ما عدا الدكتور راضي الذي سيصب جل اهتمامه على إيجاد طريقه للهرب من هذا البغل المعتوه، بعدما أيقن أن رقمه يأتي مباشرة وبدون فترة انتظار بعد مضيفه، صانع القهوة العجوز.

وقد ساهم الكافيين مع الخوف في ابتعاث كمية مهولة من "الأدرينالين" في عروق راضي، جعلته يقفز في الهواء كطفل سمين وضعه أهله على حلقة "الترامبولين" في ملاهي رخيصة بدون رضاه، ينطلق في الهواء لأعلى كاندفاع مياه آسنة من انفجار ماسورة مياه مهترئة في منطقة شعبية "أيام عيد"، حيث يرحل أهل الصعيد إلى قراهم مخففين استهلاكهم من المياه، ويسعد موظفو شركة المياه "بالتزويغ" من العمل محتفلين بالعيد بدون مراعاة تخفيض ضغط المياه ليناسب قلة الاستهلاك، لتنفجر المياه لأعلى في أضعف مناطق الماسورة القديمة.

ليسقط بعدها راضي في حضن "السيد" أكبر أبناء البدري، شريك السماوي رحمة الله عليه، بعد أن اتخذ السيد قراره بنحره من ثوانٍ معدودة، انتقاماً منه لسرقة أموال أبيه التي نهبوها من الناس، ورغبةً في نحر راضي الذي يريد أخذ وردة منهم، وهي حق لهم مثلها مثل العمارات والقهوة وسر خلطة البن التي لم يبح بها أبداً أشرف محمد جبريل السماوي.

كتب: محمد خلاف

المصدر: اريكة