لا شيء يهـــم

لا شيء يهـــم

على سطح إحدى عربات النقل العتيقة تجمعت بضع قطع من أثاث قديم، وبالرغم من الغبار الراقد بين ثناياه، إلا أنه يرسم في خيال من يراه أن مقتنيه هم بلا شك من عائلة ثرية، فهو يشبه أثاث العصور الوسطى، من هذه الأصناف التي كانت تزخر بها القلاع القديمة، ويجلس عليها القيصر في وسط رعاياه ليشملهم بعفوه وكرمه.

ولم تكن تلك العربة بذاتها الوحيدة على الطريق، وإنما سبقها وتلاها عدد من العربات لا تختلف عنها سوى في المحتوى، فبعضها كان يحمل الأثاث، والبعض الآخر تراصت فيه الأجهزة الكهربائية جنباً إلى جنب، حتى ليتساءل من حملها وشد وثاقها كيف لو تعمل هذه الأجهزة معاً في وقت واحد، لا بد أن تحتاج إلى محطة كهرباء خاصة لتلبية احتياجها المهول من الطاقة.

وأمام هذه القافلة العظيمة، وفي سيارة حديثة تزهو بنفسها وهي تتململ في مشيتها بهذه السرعة البطيئة، بينما يمكن لقائدها ببساطة أن يضاعف السرعة مرات ومرات، ولكنها الطريق التي تفرض عليها هذه السرعة البسيطة حتى تحافظ على رونقها، كما أنه من غير المنطقي أن تبتعد عن سيارات النقل، فقد بات واضحاً أنها جميعاً مقصدها واحد.

في تلك السيارة الفاخرة جلس أحمد زاخر العليمي، هادئاً مطمئناً، وحيداً على مقعده الخلفي الوثير، مستسلماً لاهتزازات الطريق، منسجماً مع منحنياتها الكثيرة، ولا بأس فهي في النهاية ستفضي به إلى طريق مستقيم على يمينه يقبع شامخاً بيته الجديد الذي شرع في بنائه في السنوات الخمس السابقة ليكون ملاذاً له في الأيام الأخيرة، ولكنها بالنسبة له ليست الأخيرة.

فأحمد زاخر العليمي، أو أبو شهاب كما يلقبه المقربون، رجع إلى بلدته الصغيرة (كوم العرب القبلية) ليبدأ حياة جديدة، حياة ليس فيها صراعات ولا أحقاد، حياة رغيدة ليس فيها تعب أو مجهود، فهو الآن وبعد أن تخطى عامه الستين، لم يتبق له الكثير كي يضحي به، فلا بد من التمتع بكل لحظة وبكل وسيلة في الحياة ليجني ثمار تعبه ومجهوده.

فأبو شهاب قد بدأ حياته كنموذج حي للفقر المدقع، وجمعيات حقوق الإنسان وقتها لو كانت تعلم بحالته، لأشعلت التظاهرات وعقدت المؤتمرات لإنقاذه من مصيره المحتوم، ولكنه وبالرغم من هذا قاوم وكافح حتى ينمو كما تنمو أعشاب الحنظل في بطن الصخور بدون قطرة ماء.

هكذا نشأ الابن الكبير لزاخر، الذي لم ينجب غيره قبل أن يترك الدنيا متأثراً بأمراض لم تكتشف حينها، ولكن اكتفى من حوله بمشاهدة أعراضها تفتك به حتى واراه الثرى في ليلة دهماء. شعر بعدها أحمد أنها البداية لأيام عصيبة، ولكنه لم ييأس، وعلى عكس كل أقرانه ممن يهربون من الدراسة، كان يهرب من العمل الذي وفره له زوج أمه ليلتحق بالدراسة، فهو يدرك جيداً أنها خلاصه الوحيد.

ولمَ لا، والعمل لا فائدة منه، فزوج الأم هو من يأتي كل أسبوع ليقبض جنيهاته البسيطة ويضعها في جيبه، أما هو فيشقى ويتعب، ولا يجد سوى الإهانة وبقايا الأكل البسيط عندما يرجع. حتى أمه تنكرت له، فقد كان يذكرها دائماً بالخيبة الثقيلة، فقد تزوجت من ابن عمها الفقير المريض وأنجبته بالرغم من تهافت الأثرياء من كوم العرب القبلية عليها.

ولكن لا شيء يهم، فهو الآن قد عاد إلى كوم العرب وكل من فيها يلقبه بـ«أحمد بيه»، وفي بعض الأحوال يلقبونه بـ«أحمد باشا»، وكيف لا وهو يمتلك في القرية أكثر مما امتلك العرب أنفسهم أصحاب القرية، الذين أتوا إليها من الجبال الحجازية كما أخبره من قبل أستاذ شحاتة مدرس اللغة العربية بالمدرسة.

وها هو أحمد زاخر الطالب الفاشل الذي ذاق ويلات الأستاذ شحاتة وويلات اللغة العربية من بين ضروسه العفنة، ها هو نفسه يعود إلى القرية وقد حمل بين أوراقه شهادة الدكتوراه في إدارة الأعمال. صحيح أنها من المجر، وأن بعض المغرضين قد تشككوا فيها وفي مصدرها بالإشارة إلى أنه لم يطأ المجر بقدميه من قبل، ولكن لا شيء مهم فهي لم تكلفه إلا آلاف معدودة، ولكن لا غنى عنها لتكون مسوغاً ساعده في الوصول إلى أعلى المناصب في البنوك الوطنية والأجنبية.

وإذا كان زملاؤه اعترضوا من قبل على تخطيهم في الترقية والتعيين، فلا حجة لهم الآن، فشهادة الدكتوراه مثل (الجوكر) ينزل على طاولة قرارات التعيين ليطيح بكل من حوله. كما أنه لم تكن الشهادات وحدها هي من وصلت به إلى القمة، ولكنه الدرس الذي تعلمه من سنوات عديدة عندما ساعده أحد المحسنين على أن يترك عمله في المقهى ليلتحق بالتدريب في أحد بنوك القطاع العام.

ولم لا وهو الحاصل على بكالوريوس التجارة، وبالرغم من أنه مدون في أوراقه حينئذ أن التقدير مقبول وأن الدرجات تمسك بحافة النجاح تخاف أن تسقط منها، إلا أن ذلك لم يمنع إدارة البنك أن توافق على تعيينه، ومدير البنك نفسه قد استأثر بأحمد كسكرتير في مكتبه الخاص. وبعيداً عن البكالوريوس والتجارة وكل هذه التفاصيل، فقد مدح الوسيطُ أحمدَ وأكد له أنه سيقوم على كل طلباته وأنه سيكون خادمه الأمين وكاتم أسراره.

وبالفعل كان أحمد — أو كما كان يحلو للمدير أن يناديه (واد يا أحمد) — في قمة الطاعة والخنوع، حتى أن ضباط الأموال العامة عندما أتوا للتحقيق والتفتيش عن جرائم المدير السابق لم يبذلوا جهداً في سؤال أحمد. فقد جلس بينهم بعد أن أدى واجب الضيافة لهم من ثلاجة المدير شخصياً، التي كان يحرص أحمد أن يملأها بما لذ وطاب، ليشرح لهم على استفاضة كل ما كان يحدث، وبأنه لم يكن بيده شيء فهو موظف غلبان حتى إنه لم يُعيَّن حتى الآن.

لينتهي الأمر بالسجن المؤبد للمدير، وبتعيين أحمد محاسباً بالبنك كتوصية من إدارة الكسب غير المشروع، التي رأت في أحمد الخادم الأمين الذي سيحافظ قطعاً على أموال الدولة من ناهبيها وسارقيها. ليترك هذا الموقف أثراً بليغاً في نفس أحمد، فهو لم يثق في أحد بعدها طيلة حياته.

وحتى حنان زميلته في البنك التي تزوجها، التي عايشته منذ أن كان يمسح مكتب مدير البنك بجاكتته لو وقعت عليه قطرات الشاي الذي يحمله إليه في كل حين، حتى هي لم تحصل يوماً على ثقته واحترامه. فقد كان يرى أمه في كل النساء، وكثيراً ما رأى أحمد أمه في أحضان الرجال عقب أن يسقط زوج أمه مترنحاً كبرميل النفط الممتلئ، بعد أن يكون شرب قدر هذا البرميل من زجاجات البيرة الرخيصة.

وكان عزاؤه الوحيد في وقتها هو شماتته في هذا (الزوج أم) الذي لم يكن يتعفف عن جنيهاته القليلة التي يعمل من أجلها طول اليوم، وكان يرى في خيانة أمه لزوجها رداً كافياً على أفعاله. صحيح أنها أمه، ولكن لا شيء يهم، فقد ماتت من زمن طويل، ومات زوجها من قبل هذا الزمن بكثير، ومات الجميع شيوخاً ونساءً، وما بقي الآن منهم يسبح بحمده.

فهو أحمد بك صاحب العزة والأراضي الشاسعة، وها هو يذهب بنفسه إلى أراضيه لكي يشرف على جني المحصول كل عام ويحاسب الأنفار بنفسه. فأهل كوم العرب لم يتورعوا عن سرقته عيني عينك كل عام، ولكنه أبداً لم يهتم، فما يتبقى منهم بعد ذلك كان كثيراً ويكفي، والعمولات التي كان يتقاضاها من صفقاته المشبوهة كانت كفيلة بإضافة عدة أفدنة جديدة كل عام إلى زمام أراضيه في القرية وضواحيها، كما أن سرقاتهم هي السلاح الذي سيواجه به النظرات التي تتساءل ببراءة الفلاح ولؤمه: من أين لك هذا؟

وفيما مضى تداول بعض أبناء القرية بينهم فضائح أحمد زاخر على صفحات الجرائد حين خضع هو نفسه للتحقيق، ولكن لا شيء يهم، فالنيابة والمباحث والمغرضون أنفسهم، أحدٌ لم يستطع أن يثبت عليه تهمة محددة، فكلها كانت مجرد مخالفات إدارية في مجملها لم تتعد العقوبة فيها سوى إنهاء خدماته والاستغناء عنه. ولكن هيهات، فمن ذا الذي يحتاج للعمل الآن، فالعمر لم يعد به بقية للتعب والمجهود، ولم يتبقَّ في الحياة الآن سوى الراحة والاسترخاء، في بيت قد استغرق بناؤه سنوات، به كل سبل الراحة والرفاهية.

وليست عربات الأثاث التي ترافقه سوى منقولات الزوجية الخاصة بحنان، فقد تخلص منها أخيراً بعد زواج استمر أكثر من 25 عاماً لم تتركه فيها يوماً، ولكنه الآن لا بد أن يتركها، فكل نظرة في عينيها كانت دائماً ما تذكره بأمواله الحرام التي اقترفها طول عمره. ولولا أن حنان كان لها راتبها الذي تأكل منه هي وأولادها لماتت من الجوع، فهي أبداً لم تقبل مليم حرام.

ويوم أن تزوجته أشفقت لحاله، وشدها إليه أنه من الشرف بحيث باح بالحقيقة لرجال القانون على حساب ولي نعمته المدير السابق للبنك، وطمعت حنان وقتها في أن تظفر بزوج أمين، واستغل أحمد تلك الظروف لكي يتزوج منها دون أن يتحمل مصاريف كثيرة، وهذا إن كان دفع 25 قرشاً للمأذون يندرج تحت بند المصاريف من أساسه.

وعندما حجز البنك على ممتلكات فيلا مجيدة هانم الأسيوطي وفاءً لمبلغ ألف وأربعمائة جنيه كانت قيمة القسط الأخير لسيارتها، التي تحطمت من بعد سقوطها من فوق جبل المقطم، كان من سوء حظ مجيدة هانم أنها كانت داخل السيارة نفسها وقت أن سقطت. ولأن أحمد زاخر من المديرين الأكفاء فقد كافح للحصول على حكم قضائي يمكنه من بيع ممتلكات مجيدة وفاءً لديونها، فقد كانت رحمها الله مقطوعة من شجرة (لا عيل ولا تيل).

وعندما ذهب أحمد لمعاينة الفيلا كان بها بعض الأثاث البسيط، تبرع هو شخصياً بأخذه ونقله من الفيلا إلى بيته حتى يتسنى إخلاؤها وبيعها لتحصيل أموال الدولة التي هي أمانة في أعناقنا جميعاً. وها هو ينقل الأثاث نفسه بنفسه مرة أخرى ليحمله معه إلى مستقره الأخير، فلم تقبل حنان أن تحتفظ بأي شيء يذكرها بأحمد وبأيامها السود معه، كما قالت له وهي تودعه غير آسفة على فقده.

ويكفي من رحمة رب العالمين بها أن ابتلاها بفقد شهاب ومن بعده أماني وسارة أبنائها من أحمد، حتى لا يتبقى لها من هذه التجربة سوى الذكريات الأليمة، ولكن بدون شيء ملموس. ويعلم الله كم أثّر فيه موت ولده الأكبر شهاب، فقد كان أحمد حريصاً على حياته من أجله، وكان يخاف أن يموت ويترك شهاباً صغيراً كما تركه أبوه، وكثيراً ما راوده الحلم أنه على فراش الموت وشهاب من خلفه يوصيه على أمه، ثم يغادر هو الدنيا ويضيع شهاب من بعده.

ولكن يبدو أن (مندل) قد يخطئ أحياناً، وأن قوانينه الوراثية قد تخطت أحمد لتلحق بشهاب وسارة وأماني، وكلهم لم يتخطَّ عامه العشرين. وكأنه موعد متفق عليه، فما أن يكبر أبناء أحمد حتى تتخطفهم الأمراض العجيبة التي يتحير بها الأطباء، وما هي إلا شهور قليلة ليذهب عم حسين السواق إلى بلدتهم ليفتح المقابر ويخبر الناس، ليأتي أحمد ومن يحمله فوق النعوش من أبنائه ليغيب في فتحة القبر إلى رحاب رب العالمين.

ولكن لا شيء مهم، فقد ألمح أحمد لابنة أحد أصدقائه في كوم العرب أنه قد يتزوجها، وقد رحبت هي به أيما ترحيب. وبنت صديقه هذه أرملة لم تتجاوز الثلاثين وليس عندها أولاد، فقد حملت بأحدهم ولكن بموت زوجها حزنت عليه فأبى الجنين أن يستقر مكانه حتى الولادة، لينزل مسرعاً مستقراً بجوار أبيه تحت الأرض التي تكون خيراً من ظهرها في بعض الأحيان.

وأكيد أن أحمد لن يلبث مع عروسه الجديدة سوى أيام معدودة حتى تأتي له بشهاب جديد، ومن يعلم، ربما أماني وسارة من جديد. صحيح أن العمر تقدم ولكن لا شيء يهم، فهو وإن مات فسوف يترك لهم ما يغنيهم عن الأب طول الحياة. وعروسه الجديدة تختلف تماماً عن حنان، فهي طويلة كشراع مركب نيلي، بيضاء كأنما سقطت في بحر من اللبن، مخملية إلى الدرجة التي يشفق عليها أحمد من اللحظة التي ستلمس يداه فيها جسدها المثير.

وربما كانت تحلم بزوج خيرٍ منه، ولكن لا شيء يهم، فملايين أحمد الكثيرة تغري أجمل نساء الكون على الركوع تحت قدميه، وهو الآن فرصة فريدة، فلا زوج ولا ولد ولا أقارب حتى، وإن مات هو فسوف ترث كل هذا وحدها. والصحة جيدة وعلى ما يرام، وما المشكلة في بعض أعراض الزمن من سكر وضغط، لا شيء يهم، فحتى صغار السن يعانون من هذه الأمراض أيضاً في أغلب الأحوال.

قالها لنفسه وهو يتحسس أدوية السكر والضغط في جيب بنطلونه الفاخر، فلطالما كان حريصاً على صحته حتى لا يلاقي مصير أبيه من قبله، وحتى حنان لم يكن يقترب كثيراً منها خوفاً من أن يؤثر المجهود على صحته وقلبه. أما الآن فهو أحسن حالاً، وحتماً سيشعر أنه أصغر سناً بعد وجبات الريف من مشلتت وخلافه، وإن كان لا بد فلا بأس من بعض المقويات التي تمتلئ بها الصيدليات، ليستطيع أن ينجب من جميلة الجميلات التي ينوي الزواج بها.

وأكيد أنها ستنجب أطفالاً أقوياء مثلها، وليسوا مرضى مثل أولاد حنان، رحمهم الله فقد كانوا مصابين بالهزال على الدوام. ولا شك أنها أمواله الحرام، فقد كان يجلب لهم أرقى اللحوم وأفخرها من شتى أنحاء العالم ليتركوها ويأكلوا مع أمهم بيضاً وجبنة. ويوماً انفجر في وجوههم جميعاً، فقد رجع إلى البيت بعد أن ذبح أربعة عجول ووزعها في أول أيام عيد الأضحى ليجدهم يأكلون بيضاً وجبنة، ولا عجب أنهم ماتوا.

وقد تكون الوفاة بسبب الفقر والهزال، فهم أولاد فقر مثل أمهم. ولكن الآن لا شيء مهم، فلم يتبقَّ من الطريق سوى دقائق معدودة ليكون في كوم العرب، وأيام قلائل بعدها سيكون في فراشه وفي أحضانه بقرة حلوب، ستلد بمجرد أن يقول لها مساء الخير.

وماذا سيعكر صفو حياته بعد هذا، حتى الضمير لم يعد له وجود في جسده، بل لقد مات مرات ومرات، وهو يعرف دواه إن استيقظ. وإذا كان يبحث في المدينة عن البوابين والفقراء ولا يجد فيهم سوى الأفّاقين واللصوص، فهو في بلده هنا يعلمهم جميعاً، وسينشئ جمعية للخير يشرف عليها بنفسه ويساعد منها المحتاجين، ولن يضيره شيء إن هو أنفق مليوناً أو اثنين فهو يمتلك منهم الكثير، فعمل الخير هو أحسن دواء للضمير.

واعتدل أحمد في جلسته على كرسيه المريح في السيارة التي تتزعم قافلة عربات نقل الأثاث، ليطلب من عم حسين أن يسرع قليلاً فقد اشتاق لتحقيق أحلامه، ليطاوعه عم حسين، فهو لم يخالف له أمراً طيلة حياته.

وعم حسين أسمر البشرة، نوبي من أسوان، رافقه طيلة حياته تقريباً، فقد كان سائقاً في البنك الذي شهد بدايته. ويوماً رآه أحمد يصلي وحيداً في غرفته وأعجبه التزامه، ورافقه بعدها في كثير من المواقف. وكثيراً ما كان أحمد يعجب لعم حسين، فأهم شيء في حياته أن يصلي، وجل ما يحرص عليه في دنياه أن يتأكد من تغيير زيت المحرك والفلتر في موعده، فهو روح السيارة كما يقول عم حسين دائماً، ما عدا ذلك فهي تفاصيل لا طائل منها.

ويوماً رآه يتململ في جلسته وهو يقود السيارة، ليسأله عن السبب فيجيب عم حسين: ألم بسيط. وما هي إلا ثوانٍ معدودة ليتضاعف الألم، حتى أنه تبادل مقعده مع حسين ليسرع به إلى المستشفى، فقد كان عم حسين يعاني من آلام الزائدة الدودية منذ فترة ولكنه تحمل، فلا سبيل للعلاج، حتى كادت تنفجر في بطنه، أو لعلها انفجرت ورحمة الله هي من سيّر الأمور في بطن عم حسين الغلبان.

فهو لا يمتلك من الدنيا سوى راتبه الشهري الذي انقطع بعد خروج عم حسين من البنك، فقد كان عقده مؤقتاً مثل أحمد زاخر في أول أيامه. ولكن لا يهم، فأحمد يحب عم حسين وسوف يتكفل به وبأبنائه إلى يوم يبعثون، وكم دعا له عم حسين وأعطاه حقن المسكنات في ضميره المريض.

أما عم حسين فقد كان سعيداً بما آل إليه، فقد حج بيت الله مرتين، إحداهما كانت بمفرده والأخرى مع أم عثمان شريكة العمر الجميل. وأم عثمان نفسها أيضاً قد ذهبت مرتين، تلك التي مع حسين والأخرى مع الدكتور عثمان ولدها الذي تخرج في كلية الطب واشترك في مسابقة القرآن الكريم ليظفر بالمركز الأول، وعند استلامه للجائزة تنازل عنها لأمه، ليقرر القائمون على الجائزة بأنه ليس أكرم منهم، وما دام قد تبرع بها لأمه فلا أقل من أن يسافر هو وأمه هدية من أهل الخير والقائمين عليها.

ولم يتبقَّ لأداء الفريضة سوى فاطمة وسرور. فاطمة زوجة لأحد تجار الجمال المشهورين في السودان، ولم يمنعه عن أداء فريضة الحج سوى كبر سنه، وفاطمة عليها الانتظار حتى يكبر أبناؤها وتذهب معهم، هذا هو ما قاله الشيخ إدريس زوجها الوقور. أما سرور فهي الأخرى متزوجة من سوداني، ولكنه أخذ سرور واستقر في أمريكا حيث يدرس لنيل شهادة الدكتوراه هناك، وقد وعد زوجته الحبيبة أنه ما إن يناقش الرسالة حتى يختم رحلته العلمية برحلة إلى مكة للعمرة ومن بعدها الحج إن أراد رب العالمين.

وعم حسين بالرغم من أنه يعيش في شقة إيجار ولا يمتلك سوى راتبه، إلا أنه عفيف النفس لم يطلب من أحمد شيئاً طوال حياته. وكيف تأتيه الجرأة وهو لم يطلب من أبنائه أنفسهم، وهم الذين جاد الله عليهم في الرزق، خاصة فاطمة التي يمتلك زوجها قوافل من الجمال يرسل منها أفواجاً لتحل أزمة الغذاء في مصر بين حين وآخر. ولكن عوّد عم حسين نفسه أن يعيش على القليل هو وأم عثمان، أو مبروكة كما يحلو له أن يناديها في أوقات الصفاء.

وكان من شدة حب عم حسين لأحمد زاخر أنه الوحيد الذي يثق به أحمد زاخر، وكثيراً ما ردد عم حسين: ربنا يجعل يومي قبل يومك يا أستاذ أحمد. وهو ما رآه أحمد زاخر من فوره، فبالرغم من انحناء الطريق في آخر تفاصيلها قبل الوصول إلى طريق كوم العرب، إلا أن عم حسين لم يستدر بالسيارة، وتركها تمشي على هواها.

ليهزه بقوة أحمد زاخر: (عم حسين… إنت يا زفت يا حسين). فقد بدا لأبي شهاب أنه قد استسلم للنعاس فحاول أن يفيقه، ولكنها الروح قد سلمت إلى بارئها وصعدت في هدوء بدون أن يشعر بها أحمد في وسط خيالاته العريضة، وهو حبيس هذا الصندوق المعدني الفاخر المغلق بإحكام.

صحيح أنه حاول كثيراً أن يقفز إلى الكرسي الأمامي أو أن يمسك بالمقود، ولكن عم حسين بثقل جسمه أبى إلا أن يقود به حتى المثوى الأخير، لتستقر السيارة بمن فيها في قاع ترعة الرياح القبلي قبل كوم العرب بقليل، وبها اثنان، أحدهما قد أنهى حياته لتوه، والآخر كان يوشك أن يبدأ بعدها حياة جديدة.

تمّت

كتب: محمد خلاف

المصدر: اريكة